محمد باقر الملكي الميانجي
103
مناهج البيان في تفسير القرآن
- سبحانه - بمعنى أن يعرف العبد أنّ ما يتّقي إنّما هو بلحاظ أنّه حرمات اللّه ، وكلّما كانت المعرفة أنور والتبصّر في الأحكام أشدّ كانت التقوى أكثر ، فالواجب على من أكرمه اللّه - تعالى - بالعلم والمعرفة والفقاهة في الأحكام ولا سيمّا الأحكام العقليّة والفقه الأكبر ، أن يهاب جلال اللّه وكبرياءه ، ويخشاه - تعالى - في السرّ والعلن . وحيث إنّ الاتّقاء من اللّه - تعالى - لا يختص بمورد دون مورد ، وبزمان دون زمان ، وبجهة دون جهة ، فأمره - تعالى - ونصيحته - سبحانه - عباده بالاتّقاء لا يمكن أن يتقيّد بقيد ، فتقييد الاتّقاء بيوم ترجعون فيه إلى اللّه ليس لبيان كون التقوى في هذا اليوم والرخصة فيما سواه ، بل لعناية وخصوصيّة في هذا اليوم الذي برزوا للّه الواحد القهّار وبطلت الاستطاعة ، وردّت الودائع . قال تعالى : « وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ » . [ إبراهيم ( 14 ) / 42 و 43 ] [ معنى الرجوع إلى اللّه - تعالى - ] وقوله تعالى : « تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » . الرجوع إليه - سبحانه - ليس رجوعا ذاتيّا وسيرا طبيعيّا بحركة ذواتهم على ما نسج ألسنة بعض الباحثين عن العلوم البشريّة ، ولا يجوز تأويل ما جاء به الأنبياء المقرّبون - ولا سيمّا خاتمهم سيّد الموحّدين - من علم المعاد بأمثال هذه الأقاويل . قال في الأسفار 9 / 244 : فثبت بما ذكرناه أنّ جميع الموجودات بحسب الطبائع والغرائز طالبة إيّاه - تعالى - منساقة إليه انسياقا معنويّا متحرّكة نحوه وحركة ذاتيّة ؛ وهذه الحركة والرغبة لكونهما مرتكزتين في ذاتهما من اللّه ، لم تكونا هباء وعبثا ولا معطّلتين ، فلا محالة غايتها كائنة متحقّقة مترتّبة عليها إلّا لعائق قاسر ، والقسر لكونه خلاف الطبع لا يكون دائميّا بل منقطعا كما سبق بيانه ، فيزول القواسر والموانع ولو بعد زمان طويل ، فتعود الأشياء كلّها إلى غاياتها الأصليّة . . . حتّى تنتهي إلى غاية أخيرة لا أشرف منها ولا غاية بعدها دفعا للتسلسل ، وهي غاية الغايات ومنتهى الحركات والرغبات . وفيه أيضا / 278 : فمن أراد أن يعرف معنى القيامة الكبرى وظهور الحقّ